{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ }
لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري - عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد فهذه بعض آية من سورة البقرة وردت في سياق بيان بعض أحكام العمرة والحج رغبنا أن نستجلى بعض معانيها مع قراء مجلة الجامعة الإسلامية الكرام سائلين الله تعالى أن يرزقنا هدايتها، والعمل بما فيها إنه على كل شيء قدير..
الحج: إن هذا اللفظ القرآني له مدلولان: لغوي، وشرعي، فالمدلول اللغوي هو المشي على المحجة (جادة الطريق) لأي غرض كان يقصده الماشي على المحجة وأكثر ما يطلق هذا اللفظ "الحج" إذا تكرر المشي إلى الشيء المرة بعد المرة.
وأما المدلول الشرعي: فالحج هو قصد بيت الله الحرام بمكة المكرمة لزيارته وأداء مناسك حوله.
وآل: فيه للتعريف العهدي فالمراد من قوله تعالى الحج أشهر معلومات: أنه الحج الشرعي الذي فرضه الله تعالى على عباده المؤمنين: من استطاع منهم سبيلاً، والسبيل هي الزاد والراحلة مع أمن الطريق ووجود محرم بالنسبة إلى المؤمنة.
وأركانه التي لا يتم إلا بها أربعة: الإحرام - وكونه من الميقات الذي حدده الشارع واجب، والطواف - وهو طواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة ساعة من بعد ظهر يوم التاسع من شهر ذي الحجة إلى قبيل طلوع الفجر من ليلة العاشر منه.
وهو فرض مرة في العمر، وما زاد فهو نافلة مرغب فيها وتطوع محمود محبوب.
أشهر: الأشهر: جمع شهر وهو عدة أيام وليالي لا تزيد على الثلاثين يوماً ولا ننقص عن التسعة والعشرين.
والمراد من الأشهر هنا: شهور الحج الثلاثة وهي: شوال، وذو القعدة وعشر ليال من أول شهر ذي الحجة. ومعنى كونها أشهر الحج: أن الإحرام بالحج لا يكون إلا فيها. فلو أحرم أحد بالحج قبلها أو بعدها كأن يحرم بالحج في شعبان أو رمضان، أو في المحرم أو صفر لما صح إحرامه ولتعين عليه أن يجعله عمرة. أما أشهر الحج فله أن يحرم في أي يوم منها ويستمر على إحرامه إن شاء إلى أن يحج، وله أن يفسخ حجه إلى عمرة.
معلومات: معروفات لدى سائر العدنانيين من أولاد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، إذ جدهم إسماعيل بنى البيت مع والده إبراهيم وحجه معه، وتعلم أداء المناسك وعرف كيفيتها من والده إبراهيم الذي أوحى الله تعالى إليه بها وعلمه إياها، استجابة من تعالى له لما دعاه بقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وكان هذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان قواعد البيت كما حكى القرآن ذلك عنهما في قوله من سورة البقرة: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
فمن فرض فيهن الحج: لما كان للحج أشهر معلومات لا يحرم به في غيرها فعلى من فرض على نفسه الحج فيها أي ألزم نفسه به وأوجبه عليه حيث أحرم به من الميقات قائلاً: "لبيك اللهم لبيك .. لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"..
فعلى كل من أحرم بالحج أن يتجنب الرفث والفسوق والجدال لأن التلبس بها أو بواحدة منها يفسد الحج أو يخل به فيحرم الحاج القبول والثواب.
فلا رفث: الرفث: الجماع، ومقدماته من النظر بشهوة، واللمس باليد أو المباشرة بالجسد والكلمة المريبة الدالة على الجماع، الداعية إليه المفكرة فيه.
ونفيه في هذا اللفظ القرآني {فَلا رَفَث}. منعه منعاً كلياً بحيث لا يوجد شيء منه ألبتة حتى ينهى عنه من يفعله، وهذا التوجيه للآية خير من توجيه من قال إذن النفي هنا بمعنى النهى غير أنه أبلغ منه، فيكون اللفظ خبراً ومعناه الإنشاء.
ولا فسوق: الفسوق: مصدر فسق المرء يفسق فسقاً وفسوقاً إذا خرج عن طريق الحق والصواب. والمراد به هنا: الخروج عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بترك ما أمرا به من مناسك الحج وغيرها من سائر فرائض الدين وواجباته، وبفعل ما نهيا عنه وحظرا فعله من محظورات الحج وغيرها من كل ما حرم الله ورسوله من المعتقدات والأقوال والأفعال.
فلا ينبغي أن يوجد شيء من الفسوق في الحج، لأنه يفسده ويذهب أجره ويحرم فاعله مغفرة ذنبه ورضا ربه.
ولا جدال: الجدال: مصدر جادل يجادل جدالاً ومجادلة إذا مارى في شيء، أو خاصم فيه غيره، ليقطعه عن حقه ويثنيه عن مراده.
الجدال هنا اللجج في الخصومة والمبالغة في المماراة مما يؤدي إلى قول باطل أو فعل حرام كسب أو شتم أو انتقاص، أو إهدار حق، أو إثبات باطل.
والجدال الذي يريد به صاحبه إبطال حق، أو إحقاق باطل هو حرام على كل حال وفي أي زمان أو مكان، والجدال الذي يريد به صاحبه العكس وهو إحقاق الحق، وإبطال الباطل هو واجب على كل حال غير أنه بالنسبة للمتلبس بعبادة الحج لا يجب عليه ولا يطالب به، لأن في العبادة المتلبس بها شغلاً يمنعه من القيام بواجب إحقاق الحج أو إبطال الباطل شأنه شأن من هو في الصلاة. ولما عرف بالمشاهدة أن الجدال في أي شيء يجر إلى الخروج عن الأدب ويؤدي إلى السباب والمشاتمة وهما محرمان لا سيما في الحج.
وما تفعلوا من خير يعلمه الله:
إن معنى هذه الجملة الشرطية هو الترغيب في فعل الخير في الحج، أي خير كان يريد به فاعله وجه الله تعالى فإن الله تعالى يجزيه به ويثيبه عليه.
والجملة وإن لم تذكر الجزاء على فعل الخير واكتفت بذكر علم الله تعالى بالخير المفعول فإن لازم علم الله تعالى بالخير الذي يفعله الحاج وهو متلبس بالحج، لازمه الجزاء عليه والمثوبة به. ولعل السر في عدم ذكر الجزاء في هذا التركيب القرآني أن الله تعالى لا يثيب على مجرد فعل الخير، وإنما على خير علم الله من فاعله أنه أراد به وجه الله تعالى وحده، لأن الله تعلى لا يقبل من الأعمال الصالحة إلا ما كان لوجهه خالصاً. ومن هنا وضع علم الله تعالى جزاء لفعل الشرط، واكتفى به عن ذكر الجزاء بالثواب. فليتأمل هذا فإنه مهم.
وهذه الجملة: {وَمَا تَفْعَلُوا} تعتبر قسيمة الجملة القرآنية التي سبقتها وهي فلا رفث ولا فسوق الخ، إذ الأولى فيها تحريم كل ما يخل بعبادة الحج فيفسدها أو يبطل أجرها، وهذه فيها الترغيب في فعل الخيرات من إطعام الطعام وإفشاء السلام، وإغاثة ملهوف، وإرشاد ضال، أو تعليم جاهل.
وباجتناب كل ما يفسد الحج أو يخل به، وفعل الخيرات يتوفر به وصف البر للحج المذكور في قول النبي صلى الله عليه وسلم "والحج المبرور ليس له جزاء إلى الجنة "
وهذه هي هداية هذه الآية الكريمة: أن يحرم المؤمن بالحج في أشهره التي حددت للإحرام به فيها، فإذا أحرم تجنب لك ما يفسد عليه حجه أو يخل بكماله من سائر المعاصي كترك ركن من أركانه أو إسقاط واجب من واجباته، أو غيرها من فرائض الدين وواجباته أو فعل محظور من محظورات الحج أو غيرها من كل ما حرم الله ورسوله من المعتقدات والأقوال والأفعال. وأقبل مع ذلك على الصالحات يفعلها، والخيرات يسابق إليها ويسارع فيها مدة ما هو متلبس بعبادة الحج حتى يفرغ منها وقد أبرها الله تعلى له وأثابه عليها فغفر ذنوبه وهيأه لدخول جنته كما جاء ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "، " والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة "..